إن تفصيلاً صغيراً كفيلٌ بقلبِ كيانك أربعاً وعشرين ساعة، ما لك لا تأبه بالتفاصيل؟
Nov 25, 2022
رسالة رقم ٢
Mar 2, 2022
الزائر الثقيل
Dec 20, 2021
اللوحة الأجمل
قررتُ ببراءة الأطفال أنني أريد أن أسير يوماً تحت الشتاء. أنا التي اعتادت صقيع البقاع وشتاءه، لم أظن أن شتاء مدينة ما سيكون شلالاً بالمقارنة مع شتاء القرية الأقرب إلى دموع بَكَّاء. وعندما اضطررت أول مرة للوقوف تحت شتاء بيروت بانتظار سيارة الأجرة بعد أن رفضتُ تكراراً عرض أمي صباحاً أن آخد وشاحاً إضافياً أو مظلة، تبللت حتى لم أعد صالحة لأن تُقلني أي سيارة! ضحكت في قرارة نفسي من كثرة الحزن. ما أجمل المطر من خلف الزجاج!
**
تكنس أمي يومياً أوراق الخريف، يلومها خالي على تخريب اللوحة الجمالية الطبيعية.
في أميركا، أتأمل التلال الشاسعة تغمرها أوراق الأشجار الملونة في لوحة خلابة لا يضاهيها رسم أي فنان.
على شرفة منزلنا السابق، تهبط أوراق العرائش والأشجار كأنها أكياس تُملأُ وتُفرَغُ قصداً. أفكر في تركها لوحة خلابة، ثم أتذكر البلاط الذي سيفسد، والحشرات التي ستحب قضاء بعض الوقت تحت لحافها الوثير، فأمسك المكنسة آسفة وأحدث نفسي: ما أجملَها من بعيد!
**
بعض طلاب المدارس والجامعات، وآسف لقول ذلك، يعتمدون الغش وسيلة أولى للنجاح، وقد يبتغونها للتميز أيضاً. ينسون تماماً أنّ النجاح بالغش يمنع عنهم المنفعة المقصودة بعملية التعلّم، وهو حل مؤقت قد يشكل عقبات أمامهم في سوق العمل. أما في فئة طلاب الدراسات العليا، فيقل هذا الاحتمال، وأعزو ذلك لكون خيار استكمال الدراسة ما بعد الجامعية يكون نابعاً عن قرار شخصي لا عن قرار يجتمع فيه الضغط النفسي ورغبة الأهل وتوقعات المجتمع. أحياناً يلزم الاقتراب من الذات للتحقق من الرغبة!
**
قد نكون خلف نافذة نشاهد المطر فنتمنى لو أننا تحته، ولو أننا تحته لتمنينا نافدة تقينا إياه.
وقد تكون اللوحة أجمل من بعيد، مليئة بالعيوب لو اقتربنا أكثر من اللزوم.
وقد نبتعد عن ذاتنا كما لو أنها اللوحة الأجمل من بعيد، فيما نحتاج أن نقترب لنرمم الكسور ونغلق الثقوب.
**
قد يكون القريب صحيحاً، وقد يكون البعيد أسلَم؛ العبرة بموقعك من الأمور.
حنان فرحات | بيروت
20-12-2021
Dec 8, 2021
كل ما لم يبقَ
مرة حين باعوا السيارة الزرقاء الصغيرة. بالرغم من أن الدهر كان قد أكل عليها، وأنا وأخي أشبعناها تمزيقاً وتوسيخاً كحال كل الأطفال، إلا أنني خفت على الذكريات. كيف سيوضع الكرسي الأزرق ذو اللون ذاته في سيارة أخرى. كيف سيكون المشوار بنفس النكهة؟ وهل ستبقى أعمدة الإنارة بذات العدد لو تغيرت النافذة التي أنظر منها؟
في المرة الثانية، كنت قد نسيت السيارة ونسيت لمَ كنتُ مصرّة على استبقائها. لم تكن جميلة أصلاً! استبدلا المدفأة الأسطوانية التي تتمركز وسط المطبخ بأخرى غريبة الشكل. بت الليلة وأنا أفكر كيف لسندويشة اللبنة أن تتسخن بالجودة نفسها، هل ستكون بذات النكهة؟ هل يعقل أن اللذة تكمن في شيء غير حرق الأصابع فيما أمسكها بكلتا يدي وألصقها على حديد المدفأة الجانبي طولياً، ثم يرجوني أخي أن أسخن سندويشته فأوافق بشرط أن يطوي لي عدة مناديل قبل أن يصل باص المدرسة؟
لكن الحزن لمغادرة المدفأة ما لبث أن اضمحل حين صار فرن المدفأة الجديدة سيد الموقف. تدخل السندويشة معززة مكرمة، تتمدد هناك فيما تلسعها الحرارة من كل الجهات، لا أصابع تحرق، ولا انتظار يذكر، وكلٌّ يطوي مناديله! رغم تبدل هيئة المدفأة من أسطوانة طولية إلى شبه مكعب ذا فرن، بقي بإمكاننا الالتصاق بها والتمدد حولها في أيام البرد. ولا أعزّ من صوت والدتي توبخنا على الجوارب المحروقة، إلا صوت والدي الذي يوبخنا لحشر أقدامنا تحت المدفأة لأسباب صحية.
لم يطل الأمر كثيراً. ربما عشر سنوات؟ حسناً، طال الأمر. لكن دوام الحال من المحال. كبر أفراد المنزل، وازداد الاكتظاظ حول المدفأة. فاقترح أحد ما مدفأة جديدة، تجلس في الزاوية كضيف، وتنفث الهواء بمساعدة مروحة كهربائية، وتعطي المفعول ذاته. بل إنها أفضل! رفضت. لا أدري إن أعلنت رأيي أو تعاملت مع الأمر كما لو أنه فرض واجب، واكتفيت بالاستنكار في الخفاء، لكن الإجابات جاءت قبل الأسئلة: "له فرن". قلت لا بأس، فدلال سندويشة اللبنة محفوظ، والهدف من التغيير التوسعة، وكلاهما للخير العام. لكن الحق يقال، كان الفرن أبعد عن النار، فالمدفأة المكعبة طولياً تتربع ك"الشيمينه"، كما لو أنها لا تألف إلا الجبن الفرنسي، أو التوست الأميركي. المهم أنها لا تفهم معنى اللبنة، ولا تتسع لصواني الكعك العديدة، ولا لقالبَي كاتو سوياً.
ما علينا، انتهى شتاء وجاء غيره، وانتقلنا لمّا ازددنا أصهرة وأحجاماً من المطبخ إلى غرفة الجلوس، ولم يعد حتى الفرن الصغير الذي لا يملأ العين في متناول اليد. وفي زاوية الغرفة التي لطالما عهدناها للضيوف، تمركزت مدفأة لا تشبه الماضي ولا الذكريات. كما لو أن عدم وجود فرن فيها لا يكفي، بل إن حديدها حتى لا يصلح إلا للمنظر. بكبسة زر تنفث الهواء الدافئ في الغرفة فأكاد أختنق. وفي كل مرة أسأل نفسي، هل يخرجني ارتفاع الحرارة أو اكتظاظ الصور قي مخيلتي...
---
بعد سنتين ونصف، ها أنا في منزلي الجديد، أنعي عدم الحاجة إلى مدفأة. "تكفي مدفأة كهربائية صغيرة وسترة سميكة. أو يمكن للAC أن يعدل حرارة الغرفة فتنسين أن الفصل شتاء". لا يا أعزاء. لا يمكن أن أنسى. صباح مساء، سألفّ سندويشة اللبنة القروية وسط المدينة، وسأسطحها على المقلاة لتتسخن. قد أتناساها قليلاً حتى تكاد تحترق، أو أثبتها بأصابعي كي تكتسب نكهة المدفأة القديمة. والمرة تلو المرة، سأتنهد مبتلعة غصة المدفأة الأولى، والسيارة الأولى، وكل ما لم يبقَ كما كان.
حنان فرحات
بيروت ديسمبر٢٠٢١
Nov 15, 2021
في مديح الجمال
مطبخ الحب
Sep 9, 2021
إناء جديد
"إنّها تصفرّ..!"، قلتُ لجدتي في عجالةٍ إذ سمعت صوتها بينما أكلّم أمّي عبر الهاتف. "قولي لها إن الشتلة تصفرّ".
كان الأمر مضحكاً بالنسبة لي، أو بالأحرى "إشارة" أنّ عليّ الكفّ عن الحلم قليلاً بفلاحة أرض الشقة التي نسكن في بيروت، وزراعتها بيدراً من الجرجير سريع النموّ، أو الريحان العبق الرائحة، أو الفجل الذي يبحث الراحة في نفس من يحصده. بدأ الأمر، أو انتهى فعلياً، حين أخبرتني جدتي بحماسٍ أنّها جهّزت لي شيئاً مميزاً. قالت لي إنها تعرف أن السائد إهداء شتلات الورد، ولكنّها تطمح إلى شيء أكثر فائدة بالنظر إلى "ظروفي المعيشية". قالت والابتسامة تعلو وجهها البديع، "أعددتها وسقيتها على مدار عدة أيام، آنيةٌ فيها من تراب "حاكورتي" وبصيلاتٌ خضراء تقصفين منها كلّما أعددت صحن سلطة! ما رأيك؟ أليست أفضل من الورد؟!".. وإذ تكبر ابتسامتها، كبرت ابتسامتي أيضاً، فهي حين وصفت الإناء واهتمامها به قلتُ لنفسي مسرورة أنْ ها هي شتلة الريحان قد تأمّنت من دون عناء، ثم انقلبت ابتسامتي ضحكةً على توقعاتي عند خيبة الأمل. لم أخبر جدتي وقتها –لكنني فعلتُ لاحقاً- أنّني عادةً أستبعد البصل الأخضر من كل وصفات الطعام، ولو أن حديقتي المأمولة وجدت طريقها إلى الحياة، فإنها بالتأكيد لم تكن لتحتوي عليه.
ما علينا.. أحضرت إناء البصل إلى البيت، وانتقيت له زاوية مشمسة، وسقيته باستمرار.. وربما كان لخوفي من اتصال مباغت بالصوت والصورة أثر عكسي، فرحت أسقي البصيلات كلما مررت من جانبها حتى اصفرّت وبدا عليها التعب. لا بد أنه الخريف، أو أنها عرفت أنها غير مرحب بها فلم تستطب المقام في ضيافتي-فأنا أؤمن بالودّ المتبادل بين النبات والمعتني به-. على ذكر الخريف، منذ عدة أيام انتبهت إلى أن حلمي الأخضر صار غير صالح للتنفيذ ما يعني تأجيله إلى السنة القادمة. إلى ذلك الحين، أكتفي بصبارات صغيراتٍ من زوجي وابنة خالي، صبارات حذقاتٍ لا يطلبن الكثير من الماء ويكبرن ببطء شديد فلا خوف منهنّ ولا عليهنّ.
بيروت 9 أيلول 2021