كثيرة هي الفوارق يين القرية والمدينة.
ولكن المنزل يبقى منزلاً، إن أشرف على فسحة وحاكورة، أو على زقاق ضيق.. تستوطن فيه ذكرياتنا.. تعشش فيه رائحتنا، خلافاتنا، ضحكاتنا، وحتى لحظات البلادة المطلقة.
لكن صوت الطيران الحربي ذاته في كل سماء.
كان أستاذ اللغة العربية يعيد علينا: تتميز القرية بكثرة أشجارها، وتزين صباحاتها زقزقة العصافير.
لكن يوم بلغت شهد السنة من عمرها، نزلتُ بها إلى الحيّ وإذ برصيفه مليئا بالشجر الوارفة ظلاله على طول الشارع. كانت تلك أول مرة ألحظ أن المدينة ملأى بالأشجار! ويوم بلغت السنتين، سألتْني مستغربة ذات صباح، ما هذا الصوت؟ وإذ بي أصغي كي أجيبها، هي زقزقة العصافير!
إذن، بيتنا في قلب المدينة، تطل نوافذه كلها على الأشجار، شجرة الياسمين الهندي ذات الزهر الأبيض المصفرّ الوسط من نافذة المطبخ، اشجار متشابكة كالشوك قبالة الصالون، وشجرة اكي دنيا فارعة الطول وارفة الظلال تغطي مشهدية غرف النوم.. ولو أنّ خلفها كلها بنايات طويلة. تبدأ صباحاتنا بزقزقة العصافير، وبفنجان قهوة، وإذا توسطت الشمس السماء يمرّ بائع الحديد والخردة بنداء مشابه جداً لندائه في القرية. حتى بائع حلوى المشبّك لديه نفس الزّمّور وذات السيارة..
إذن، ماذا كنت لأقول لأستاذي لو قُدّر لي أن أعود بالزمن؟ ما الفارق؟
هل هو الخوف من بناء متعدد الطبقات لا يُعرف ساكنوه ولا أصلهم وفصلهم،؟ هل ينهار كله إثر زلزال على رأسنا.. هل يكون سكان الطبقات العليا آمن أم سكان الطبقات الدنيا؟ هل يكون نصيبنا من الحرب أكبر؟ أم أقسى؟ هل ننام والناس مفترشوا الطرقات، تحت ظل السماء في ليالٍ شتوية باردة؟ -هل قلت لكم أنني لم أظنّ يوماً أن المدينة قد تبرد؟-.
كيف لفرشتين اضافيتين في المنزل أن تسند أمّةً هُجّرت بيوتها.. وكيف لرأسٍ أن يحتمل اختلافات الرأي حول إن كان طفلٌ بعمر ابنه، أو رجل في عمر جده، يستحق أن يقضي ليله في غرفةٍ ليست غرفته التي عرف منذ وُلد، أو يومه خارج مأمنه، هل يصبح عادياً لكورنيش المدينة، متنفسِ الناس، وملجئهم إذا ملّوا، إذا حنّوا، أو إذا ضاق بهم أفق النظر، أن يصبح مأوى مفتوح النوافذ؟
هذه هي المدينة إذن. أصوات أكثر، وأسى أكبر، وخاطر مكسور في زمن الحرب، يجبره أصحاب الأيادي البيضاء على قدر الاستطاعة.. ينبش فيه المظلومون صفحات الماضي، ليقتصّوا من ضحايا الحاضر.. وبين حدّ كلمة، وحدّ مصيبة، صوت قذيقة من مسيّرة للعدوّ تهدم بيتاً، وتشرّد أسرةً، وتترك ندبةً غائرة في القلب، وفي الذاكرة.
حنان فرحات
بيروت
حرب آذار ٢٠٢٦