Jan 6, 2020

لا مثيل له

كلّ يوم أنحت العصفور ذاته على لوحٍ خشبي ذو قياسٍ ثابت، وكل يوم تكون اللوحة من نصيب أحد: سائحٌ ينظر إلى العصفور كأنه صيده الثمين، شاب يصر على أن هذه اللوحة هي أنسب هدية لصديقته، رجلٌ يبدو كجامع للأثريات،... وحدي أنا الذي أكرر الفعل كل يوم. أنحت عصفوراً "ليس له مثيل في السوق"، قطعة واحدة لا تتكرر. التفاصيل ذاتها، كل يوم أدقها فتصدر الموسيقى نفسها وهي تشق ملامحها على اللوح. وحدي أنا الموقن تماماً أنني لا أكذب. لا شيء يُعاد مرتين. لا عصفور يطابق الآخر تماماً. الرجفة التي تعتريني كلما نقشت عينه تؤكد ذلك. 

#حنان_فرحات ٢٠٢٠
#تمرين_كتابة 

Jan 5, 2020

قيد الانتظار


أزهَرَ اللوز ولمّا تَصِل الرسالة. كان مُضحِكاً أنني أرسلتها في زمن الانترنت، وتَبِعتُها عبره بنظام الترقّب لضمان وُصولها، لكنها ضلّت سبيلها على أحد مفترق الطرق. كَتَبتُ فيها جملتين مقتضبتين، لأنّ الهدف لم يكن الكلمات بل فكرةَ الرسالة بحدّ ذاتها.

على الطرف الآخر كانت صديقتي تنتظر الرسالة على أحرّ من الجمر. ترسل لي رسالة نصية مساء كل يومٍ تستفسر فيها عن محطّة الرسالة التالية. مَضَت الأيام العشر ولم تصِل الرسالة. ثمّ أقبل الشتاء وتراكمت الثلوج، وصديقتي التي لم تَعُد تُرسِل لي رسالة يومياً، ظلّت تُراقب مدخل دار بيتها من النافذة لعلّ ساعي البريد يُطِلّ وبيده الظرف المنشود.

أزهر اللوز ولمّا يأتِ ساعي البريد، ولا بانَ للرسالة أثر. زُرتُ صديقتي أستأنس معها ساعةً من الزمن، فاقتربتْ منّي اقتراب المُذنِب وهمست لي: "صرتُ أخافُ أن تصِل... ماذا سأنتظر بعد ذلك؟".

#حنان_فرحات ٢٠٢٠
#تمرين_كتابة ٧

من للوحيدِ؟


فكرةٌ واحدة تضيء مصباحاً، وسيلٌ منها يكاد يضيء المدينة. فمن للوحيدِ سوى فكرته، تكونُ الرفيق المؤنس والمُحاورَ المناور..
ومنِ المجموعة إذا لم تتّحد على فكرة؟ ومن العائلة والأصدقاء؟ وما السفر والسهر؟ وما الترحال أو المستقرّ؟ وما الأمسُ إذا طواه النسيان؟ وما الحاضرُ غداً إذا لم يعِش في الذاكرة؟
ما الحروف إذا لم يجمعها المعنى؟ وما الكلمات إذا لم يجمعها المبنى؟ وما النصوص إذا لم تُقِف على فكرة، أقَلُّها في فقرة؟

#تمرين_كتابة ٦
#حنان_فرحات ٢٠٢٠

Jan 2, 2020

حذاء للبيع


مشكلتي التفاصيل.. المهمة. أنسى الأسماء، والوجوه والتواريخ وعناوين الأشياء. لكنني لا أنسى الأشياء. يبدو الأمر مضحكاً لمجرد ذِكره بهذه البساطة بينما أقع في الحرج مرّات ومرّات بسببه. إلا أن زبدة الأمر هي ما يهم، أليس كذلك؟
قيل أفصح القصص وأكثرها متانةً تلك التي لا يمكن أن تُنقص منها حرفاً، وقيل بل هي التي لا تستطيع أن تزيد عليها، فمعناها كاملٌ وموزون. وقيل: قدْر المستطاع اختصر! وقيل بل صِف واسترسل! وقيل لا تكتب عن الكتابة، فذلك أسخف ما قد يكون. وقيل ما يكونُ المكتوبُ غير عن ما يهيم به المرء؟ وهل يهيم الكاتب بغير كتابته؟ بل هل يفهم كيف تشده الأوراق بعنفٍ، أو كيف تضرب حَرْبَةُ الكلمات صدره؟ أوَ يفهم كيف تُغزَلُ الحبكة وتُخاط المعاني فيما ينامُ نومة أهل الكهف؟
هل لا يُكتبُ عن فن، أو بِدعةٍ، أو نعمةٍ، أو صِنعة تخرج مكنونات القلب إلى حيث نِعمَ المستقر؟
ألا يُكتبُ في فهمِ لغةٍ تستطيع تلخيص كونٍ بأسره في عدة كلمات؟ كأن تقول مثلاً : "حذاء رضيع للبيع، لم يلبس قط"؟
#حنان_فرحات
#تمرين_كتابة
٢٠٢٠

Jan 1, 2020

أخبار النيزك الذي سيضرب الأرض

تابعتُ في أواخر ٢٠١٩ صفحة
اخبار النيزك الذي سيضرب الأرض على فيسبوك. 

كل ما في الأمر أن المنشور ذاته ينشر كل يوم بذات الصيغة، مخبراً المتابعين أن النيزك لا يزال في الفضاء. 

أما الغريب العجيب، هو أنني وجدتُ نفسي أتفاعل مع المنشور كل يوم بطريقة، حسب مزاجي(مع علمي التام بأن الصفحة للفكاهة).

فلو كنت سعيدة، تكون ردة الفعل على المنشور "أحببته♥️" حيث هنالك متسع للحياة قبل وصول النيزك، 
ولو كنت فرِحة قد أتفاعل ب "أضحكني😝" من سخافة المنشور، 
أما لو كنت منشغلة (وأتصفح الفيسبوك) فأكتفي ب"أعجبني👍🏼" لأداء الأدمن المميز، 
وبالطبع، حال الغضب أو الحزن، يكون رد الفعل "أغضبني😡" أو "أحزنني☹️" حيث يكون الأمر مستلزماً وجودَ نيزكٍ لكنه لا يزال في الفضاء :). 

يمكننا أن نسحب هذا الأمر على بقية المنشورات.
إن الواحد منا يتفاعل مع منشورات الأصدقاء وغيرهم حسب حالته النفسية غالباً، وقلّما يكون التفاعل بموضوعية، ما يزيد المجال لسوء الفهم كلما ساء مزاج المتابِع.

#في_وداع_٢٠١٩
٣١-١٢-٢٠١٩
حنان فرحات 

كِذبة


"قل لي ولو كذباً كلاماً ناعماً"، يقولها الأستاذ ويسير نحوي بتؤدة: "حنان. ماذا يقصد نزار بشطر البيت هذا؟"
أتنحنح في جلستي وأتمتم لنفسي بكلمات لا تصل إلى أذنيه.
"ماذا؟ قلتِ شيئاً؟"، يقول بصوته الجهوري.

أحب حصة اللغة العربية، وكتابة النصوص تحديداً، لكن تحليل ما كتبه شخصٌ معيّن لا يبدو لي على قدْر من الأهمية. ماذا يهمّ صبيّة أحلامها بِاتساع الكون من تحليل نص كتبه شخصٌ أكل الدهر على رُفاته وشرب...

"ما زلتُ بانتظار إجابتك،"
"لا أدري"
"حاولي، أنا موقنٌ أن لديك تفسيراً ما"،
"ربما يقصد.."

يقصد أن صبيّةً غبية تشحذ الاهتمام ولو كذباً! عدا عن أن الكذب إثمٌ قد يطول أنفنا بسببه، أو يُقطع لساننا - حسب الراوي-، لا كبرياء لديها لتطلب من شخصٍ سيكتبها يوماً في قصيدة ويأخذها يميناً ويساراً في بحور المعاني بينما يفسّر نظرتها! أغضب في نفسي منها، سوّدت وجهنا بنت الأوادم.

"يقصد؟"
" تسأل الفتاةُ الكاتب أن ينطق ويخرج من جموده ولو ادّعاءً، لأنه بحسب ظنها سيقول ما تودّ سماعه حقيقةً، لولا أن كبرياءه يمنعه من ذلك."
"وما الذي يدعم إجابتك؟"
"شطر البيت الثاني: قد كاد يقتلني بك التمثال. ومن بعدها تعريفه للحب الذي يبدو مختلفاً عما تختزله هي في سؤالها"
" جميل، أكمل لنا يا سعيد.. "

أعود إلى أفكاري. حُبُه هو اليد التي يقبّلها ولكنها تغتاله، إحساسه الدفين في صنمه، وسرّه الذي سيمزّقه، المعاني التي أراد أن يخبئها في صدره لكنها نبتت قصيدة تعذّبنا في حصص اللغة العربية.


#تمرين_كتابة 
#حنان_فرحات | ٢٠٢٠

Dec 31, 2019

أسئلة من دون إجابات

لقد كنت على يقين أن ذلك سيحصل، ولكن ليس بتلك السرعة. لطالما تخيلتُ في صِغري أن جدتي ماتت، وصرتُ أنعي بدموعي أيامها الجميلة البديعة وحِكَمها الرصينة.

غُرّبت جدتي في عز صباها لخاطِر عريس أحبّها فخطبها ثم سرعان ما زُفّت إليه. وعاشت طوال السنين وقصارها، أيام الجوع والشبع، ولادة أبناء كُثُر وموتهم.. لم تدرِ أنها ستؤرق بالي على الدوام بزواجها ذاك. كنتُ أشعر بغصة كلما تذكرت أنها لم تستطع رؤية عائلتها كلما أرادت، ولربما فعَلتْ، لكن السيناريوهات في رأسي كانت تذهب للأسوء كي تستجلب البكاء.

كان لدي أسئلة كثيرة عن البداية، الماضي، البيت الأول، اللمّات الحلوة، والقلوب الطيبة. لكن النهاية كانت أسرع، جاء الخبر ساخناً عبر الهاتف، كنتُ على يقين أنّ ذلك سيحصل، ولكن ليس بتلك السرعة.

#حنان_فرحات
#تمرين_كتابي ٣
٢٠٢٠

Dec 25, 2019

أين؟

-أين تذهب الأفكار؟
-تقصد أين تذهب بنا؟
-أقصد أين تغيب بعد أن تضرم فينا النيران حتى ننسى الأسباب الأولى؟
-ربما تتبخر...
-ولكنها تصبح جزءًا من ماهيتنا...
-ربما..
- يبدو أن كل ما في الأمر أننا - من غير أن نعي- نتبخر معها.. 

- اللوحة لديلاور عُمر عن معاناة السوري

Image may contain: one or more people

منشور نيسان | بيان وحنان

حنان :


أعرف هذا الوجه جيداً. أكاد أقسم أنني أعرفه، لكن ذاكرتي الصدئة تَصِرُّ بينما أحاول تَذكُّرَ من يكون. لا بأس، قليلٌ من التحديق والتركيز ثم يذوب الثلج ويبانُ المرج،..
اقتربْ قليلاً،
قليلاً بعد...
ها أنت ذا، كأنني... كأنني عرفتك!
حقاً عرفتك!!
👇

بيان:

كأنك أصغر حجماً؟
ههه. لا تجِب!
أظن أنني أنا الأكبر حجماً.

تعرف؟ كنا دوماً نظن أن البطل الذي يتسلقك صعوداً لا يمكن أن يسقط في هوة الأحزان قط. قلما كنا نفكر حينها، أليس كذلك؟ أنت تعرف أفضل مني. كنا صغاراً، وكنت لأعيننا التي لا تكبر الحصى تبدو عملاقاً، وعليه فقد كان يوجد ارتفاع وهمي بين الوحش ورأس القلعة. لعبتنا.. كنا نهرب من وحش الحزن الذي يتموضع في الأسفل، نتسلق طولك الممشوق، ونعربد في الأعلى. اليوم يا أسفي، طولي الممشوق يطول الأرض.. مهما علوت فهاتين الساقين لابد ستتدليان إلى أسفل، باستطاعة الوحش الذي يشتهيها أن يهشم سعادتها المترنحة كلما حلت له قضمة. ولن تريد أن تعرف يا طال عمرك كم قضمة زرع الزمان في ساقي منذ المرة الأخيرة التي علوتك.
 
حنان:
 
حسام.
من رآك طفلاً تتسلقني لم يكن ليصدق أن طيشك سيغدو يوماً رُشداً.
ها أنت ذا، رجلٌ، بطول أولئك الذين لطالما تمنيت أن تصبح مثلهم. لكنّ الطول لا يورث الابتسام.

مالَك متجهم عبوس؟
مالِ فرحتك انقلبت حيرة؟
أين وقفتك الواثقة، متكئاً عليّ، رجلك مطوية خلفك ويدلك تشيران لهذا وذاك؟
أين العصابة، والفريق، وال"إخوة للأبد"؟
أين صوتك يا رجل! أذابَ في صورتك رجولةً، وامّحى مفعوله في ما عدا ذلك؟
انطق لعلّ صوتك يكسر جمودي فأردّ...
 
بيان:
لاثون عاماً بمقدورها أن تقلب الكرة الأرضية جمعاء. تلك سنة الزمان في الأرض.
أراك لا زلت على قسمتك من المعرفة. وليس بنيتي أن أنكد عليك رغد الحياة، ولكنك غمست ملحاً في جرحي.
هل ترى أبعد من هذا الملعب أنت أصلاً؟ أبعد من سطح المدرسة أو باحة الباصات؟ خارج
هذه البقعة يوجد عالم دوي الحزن فيه يلتهم ضحكات الأطفال، يفرمل سرعة الجري، ويضاعف اللهاث والبكاء. كانت هذه حوادث عرضية هنا. تنحشر في زوايا الملعب إن وجدت، أو أمام غرفة المديرة أو مسؤول الإسعافات.
في الخارج يا صديقي، لقد استعمرت أرضاً بكاملها. كبحناها هنا فانتشرت كالمرض الخبيث. وإن كنت تسعى خلف ضحكة فقد حشروها في زوايا العالم، على الهامش، وكمموا ثغرها البريء.
 
حنان:
قلةٌ هم من يأتون بعد طولِ الغياب، غالبيتهم يقفون دقائق شاردين ثم يرحلون إلى الأبد.
لا هم يخبرونني عمّا خلف الأفق، ولا أنا أسأل.
وماذا يفيدُ السؤالُ ان استحالت عليّ معاينة وقائعهم كما كان الحال عليه من قبل؟

أشهد كل يوم لعب الأطفال كإشراقة الشمس، ولا أتعب إلا إن كانت الشمس تتعب... ثم كلما غابت أفكر، هل سيكونون أوفياء للبوابة التي تمنعهم من الابتعاد، وتكون قضبانها سجناً لشياطين أنفسهم، وعلوُّها طموحاً لهم ريثما يجدون البديل...
هل يعجبهم عالم الكبار؟
هل يفتقدون اللعب تحت نظري؟ وهل نال كلٌّ منهم نصيبه الذي يرضيه من طول البدن وطول الشاربين؟
مالك يا حسام تقف ساهماً مثلهم؟ لماذا تبدو الكلمات على وجنتيك وفي عينيك، ثم لا يتحرك لسانك؟
ما لها يدك لا تمتد إليّ؟ هل أصبحت قديماً على كفّيك، بالياً عجوزاً على أحاديثك؟
 
بيان:
يروقنا عادة عالم الكبار حين يكسر جموده ضده. أليس كذلك؟
كنت أظن أنني لن أعود إلى هذه البقعة من الزمان حزيناً، أو مشتاقاً، أو طامعاً. قنوع أنا، لا زلت حسام الذي يكتفي بنصف عروسة الزعتر يأكلها على عتبتك ويمضي يقتات على بهجة الركض بين الرفاق، والضحك في وجه
السماء جهلاً بنية أقدار تخبئها تحت أزرق وادع، رؤوسها مصوبة نحو قلبي.
دوماً كنت أظن أني سأعود إليك سعيداً راضياً بقسمتي من براءة العالم وفرحته، أجرّ في كفي إلى كفّك طفلاً يقاسمني ملامحي وشغبي وخيالاتي التي لم تنفك تذكرك منذ البعيد. أودعه أمانتك، ثم أتلقاه مع كلل الشمس، لا كل ولا مل.
يبدو أن الأقدار في ذلك اليوم البعيد لم يرقها تبسمي في وجه السماء. ظنتني أسخر من قدراتها.. فأفلتت السهام.
ليس في كفي يد طفل أمدها إليك.
لم تشخ قط على أحاديثي، ولكن يبدو أنني أنا الذي شاخ على كل شيء.
 
حنان:
لم أجد في غيابك الثلاثيني ملامح طفل تشبهك قط. ولا حتى كمِشيتك المغرورة-البريئة.
ولم أسمع عنك ممن جاء من قبل. ولن أدعي الوفاء لك...
ما الذي أفعله سوى الوقوف مذ ضربني الحدّاد ضربته الأولى لأستقيم، فجعلني معوجّةً أنتظر نهاية الخدمة؟

سمعت أن لكل إنسان ضربة كهذه، أحياناً باردة، وأخرى تغلي... ولعلها تكون بعدما تغادرون هذه الفسحة.. ولا أدري إن كان حقاً يعني لي بقاؤكم، أو أنني أقتات على التغيير...
ولكن شيئاً يكاد يصبح واضحاً.. لعلّي أنا التي لا أسمع..
 
 
 17نيسان 2019
بيان عبد الخالق و حنان فرحات
 
 
 

فكرة

- متكئة على كفّها.
يا الله! كيف يحمل كفّها رأسَها المحشوّ بالأفكار؟ وهل تراها تُطل من الشباك لعل الأفكار تطير؟ أم إن الأفكار تتبخر مع الوقت فتقف وقفتها تلك تستجمع الأفكار من منظر الليل البهي؟

-تنكزني فكرة:
لمَ تظنين أن رأسها محشو بالأفكار؟ لعل أصحاب النوافذ المظلمة، أصحاب الفوانيس المطفأة، والمصابيح غير المشعلة، هم الأوْلى بازدحام الأفكار. هم من أنهكهم النهار فلم يقدر عليهم الليل.. أودَعهم النومَ بعد أن اجتمع ثِقَلُ الكون فوق جفنيهم. لعلهم هم المنهكون...

-وصاحبتي؟

-لعل فكرتها الأسمى لم تختمر بعد.


 
Image may contain: food
 
الصورة من حساب الانستغرام ل @manka_kasha
 

Oct 13, 2019

فاصل السعادة

لطالما كان جوابنا لأهالينا عن سؤالهم باستنكار: "من أين لك هذا؟"، "من جدتي".
كلمتان تجعلان المال الفائض في جيوبنا شرعياً، وتنقلاننا إلى المرحلة الثانية من الاستجواب: "لم قبلتم أن تأخذوه منها؟"، وحين لا يجدون جواباً ستكون خاتمة الحديث : "هل شكرتموها؟".

مسكين من لم يذق طعم الألف المدسوسة خفية في يده مع غمزة. لا مجال للشكر حيث ان القصة عملية تهريب متفق عليها، ولا مجاملات بين الشركاء :) تجلس بعد ذلك مبتسماً دافئ الجيب، لتستكمل الدلال بملء المعدة. كل ما لذ وطاب واستغرق وقتاً وجهداً للاعداد يكون جاهزاً حين تطل من الباب. كبة العيد، وحصتك المحفوظة "من غير لحم او بصل" كما تحبها تماماً، وبوظة الصيف المدقوقة المعجونة من حصاد الشجيرات حول منزلها، كان توتاً أو لوزاً بالحليب. وبين هذا وذاك، تحتار ماذا تفضل من بين يديها، فكل ما تعدّه بركة، وكل ما تعطيكَ اياه عسل.

ولما تفرغ من ذا وذاك، تجدها تمسك رجلكَ الصغيرة لتتأكد من حرارتها شتاء ثم تغيب لتعود إليك بجورب من الصوف "يقتل البرد. وقُبلة الجبين مقياس للحرارة لما تمرض، فهي الممرضة والطبيبة، تضرب الإبرة وتصف لك الحساء الساخن وكمادات الأعشاب للرضّات والتشنجات.

وهي الأم في غياب الأم، والصديقة في قربها، والمعطف في البرد، والنسيم في الحر.
وحين تغيب الجدات، يقف الوقت وتأخذ السعادة فاصلاً طويلاُ.

لعلّ تلك حكمة الكون، كلما نقص جدة، أصبحت ابنتها جدة. فيظل العالم متوازناً، فيه من يناول الحلوى، ويدس الألف باليد، ويدفئ القلب في روعه، ويصلي ركعتين كلما حل الليل، تبقى حارستين لك ما دام في قلبها نبض.

حنان فرحات
الرفيد ١٣/١٠/٢٠١٩

Aug 15, 2019

سيلفي!

استيقظ توم صباحاً بعد غفوة لم يخطط لها دامت حتى الصباح فأفسدت عليه عطلة نهاية الأسبوع.

كان نهاره حافلاً أمس، إذ كان عليه تحميل صور الأسبوع التي تراكمت عليه: صورته في ستاربكس مع قهوته المفضلة كي يستطيع أصدقاؤه معرفة ذوقه حين يرغب أحدهم بلفتة لطيفة فيحضر له قهوته المفضلة على حين غرة، صورته مع أمه إذ ان عيد الأم كان نهار الاثنين وهو ليس في مزاج يسمح باستلام ضبط مخالفة لتفويت مناسبة عالمية وجرح مشاعر الأمومة ولا باتهام بالعقوق، صور رحلته الأخيرة الى اسبانيا نهاري الخميس والجمعة حيث انه سيواجه صعوبات في الاستحصال على فيزا لرحلته المقبلة ان لم يظهر ابتسامته جليةً واستفادته من الفرصة التي مُنحت له بشق الأنفس بعد انتظار مطول. وقبل أن يصل إلى صورة قهوته خلال استراحة العمل لضمان التزام شركته بالقوانين، وصورته في النادي الرياضي لإثبات استحقاقه للضمان الصحي من الدولة، وصورته في المطبخ يعاون زوجته دليلاً على المساواة وعدم انتهاك حقوق المرأة، وصورته مع صورة الإيكو لضمان سعادته بولي العهد، وصورة مع الآيس كريم في المقهى الجديد في الشارع ١٧-ب كمساعدة للمشاريع المبتدئة، وصورته... غفا توم على "اللابتوب" دون أن ينجز واجبه كاملاً .

كان يعلم ملياً أن ما يقال عن ضبط المخالفة حقيقي، وليس إشاعة كما يدّعي مارك، بعد أن جرب مرارة تفويت تحميل الصور كاملة الشهر الماضي ودفع ما لا يقل ان نصف رصيده في البنك ضرائب مخالفة.

لم يكن يفهم كيف يستمتع الناس بنظام المراقبة الجديد، الذي يفترض به أن يحافظ على خصوصية الأشخاص، فيقوم بالعكس تماماً. كل ذلك تحت مسمى "مشاركة المنفعة مع العموم واثبات الانتماء للدولة والأمة". 

ومع ان صديقه عرض عليه خدمته "من تحت الطاولة"؛ وتوظيف مهارته في الفوتوشوب بالإضافة إلى ما أسماه "التحميل الميسّر" وذلك مقابل ضعف قيمة المخالفات المتوقعة، على أن يكون المكسب بقاء سجله لدى الدولة "نظيفاً"، لكن ذلك لم يغرّه، فالدولة مع كل الفساد الذي فيها لم تكن لتفوّت عليها عائدات القانون الجديد بهفوة كتلك، فجنّدت للمهمة مهندسين ذوي خبرة بالذكاء الاصطناعي وتحديدا مجال ال machine learning حيث يمكن تصنيف الصور المزورة وملاحقة الفاعلين من محمّلين ومزورين مع عقوبات تصل حد العمل الشاق في مجال تصنيف الصور المحمّلة الى الأبد، أو الاعدام 
.
فرك توم عينيه جيداً ثم صرخ صرخة بائسة. لن يكون بمقدوره الاستفادة من عرض الفطور المجاني مقابل صورة، ولا الاستمتاع مع زوجته بالتسوق في أحد المولات حيث لم يحجز ليلة أمس بطاقتيه، ولن تُدخله إلى هناك حتى المعجزات... قام وغسل وجهه، لم ينظر في المرآة كي لا يضطر إلى توثيق ابتسامة مزيفة، توجه إلى المطبخ حيث وجد زوجته توثّق ب"سيلفي" ربحها رحلة لشخصين بعد دخولها في سحب استوفت شروطه التي تمثّلت في سجل صور نظيف، مرتب، وخلّاق. ركض بسرعة كاشفاً عن نواجذه من الفرح، واصطف إلى جانبها ليظهر في الصورة!

حنان فرحات 
15 آب 2019
كولومبوس - أوهايو

Jun 29, 2019

علاء الدين في كولومبوس

قفز علاء الدين من الكتاب فور أن فتحته.
نظر إلي شزراً ثمّ أطال التنهد.
-ماذا تفعلين هنا؟
- أنت ماذا تفعل هنا! هذه ليست بلادك!
- أبلادك؟
-لا... أجبت بتردد. لكنني في زيارة قصيرة، أما أنت فمتربّعٌ في كتابك على رفوف هذه المكتبة كأنك مطيلُ الجلسة!
-وما الضير في ذلك؟ تبادل ثقافات.
-آه. واضح.
-أتستهزئين بي؟
-أبداً. لكن عدد النسخ الباقي على الرف يشير إلى صمود الثقافة ههنا في هذه الزاوية الصغيرة من المكتبة ما 😅. قلت مبتسمة.
-أنت لا تعرفين القوانين والتدابير هنا. متى نفذت النسخ يتم تزويد المكتبة بالنواقص.
-حسناً؛ لا يهم.
-ها، أخبريني، ماذا رأيت في زيارتك؟
-القصيره،
-زيارتك القصيرة.
-رأيت لطفاً وتنظيماً وكل ما يسهل الحياة.
-جميل، إذا أنت باقية هنا؟
-وجدت المسهلات، لا الحياة.
-يختلف الأمر حسب تعريفك لها.
-في كلامك منطق أحترمه.
-ما بالك تتلفتين يمنة ويسرة؟
-لا شيء. عد إلى مكانك بين دفات الكتاب لأكمل جولتي.
-لم ننهِ حديثنا بعد!
-أعود إليك لاحقاً.
-قلت ان زيارتك قصيرة!
-تكفي لكي أعود :)
-حسناً، سأعتبر ذلك وعداً؛
-يمكنك ذلك..

هز رأسه غير واثق بما أقول، فأنا لم يبدُ عليّ برغم ملامحي الأجنبية عن تلك البلاد أنني مستمتعة كثيراً. في بلاد ال wow لا ترقى كلمة "جميل" للتعجب الذي يسري في أوصالها.

انسحب علاء الدين عائداً إلى الكتاب آخذاً معه الألوان والغبائر التي أعاثها حيث حلّ. لم أتأكد مما رأيت، لكنني قد أعود لأكمل الحديث، وعندها يبان الواقع من السراب.

حنان فرحات | حزيران ٢٠١٩
كولومبوس-أوهايو
Barnes and Novels Library