Oct 12, 2015

تذكرين؟




حين عزمتِ على الرّحيل، كان الخبر صاعقاً، لوهلةٍ ظننتك تمزحين، أو هو اختبار محبّة... سُخفٌ بالحالتين؛ فلا المزح مقبول هنا، ولا مشاعري بحاجة إلى اختبار.
وحين ثبت لي الأمر، وصار الفراق واقعاً لا مناص منه، بدأت الغربة تنهش فيّ منذ اللحظة.
أنتِ من تتركين الدّار، وأنا من يشعر بالغربة في بيته، ألم أقل لك سابقاً إنّكِ وطني؟!

تذكرين؟ ضحكتُ كثيراً حين أخبرتِني أنّك تحبّينني بدايةً، وأجبتِني أنّ من يضحك أولاً لا يضحك للأبد. هدّدتُك أنّنا سنكون "معاً" دون أن يكون قلبي لك.. وأنّني قد ألفِظُكِ عند أوّل منعطفٍ. قلتُ لكِ: يا صديقةُ ابقي صديقةً، فأنا لا آمن قلبي على قلبي.. لم أعلم أن لا أمنَ إلا في قلبي، وأنّك من سيرميني على قارعة الأمس محطّماً، جباناً على السّير بمحاذاة قلبٍ جديد.
 لم أُرِد أن أجازف بصداقةِ عمرٍ بينما أنتظر من ستأسرني من اللحظة الأولى، بخلافك، لكنّ عنادك أبى إلّا أن يخاطر، ويَعِدَني بالسّعادة. وأنا الذي لم يُصدّق يوماً قصص الحبّ ووعود العاشقين، وقعت في فخّك. قلتِ: لا أفضل من حبّ ينبثق من صداقة، وأنا أقول: لا أوجع من فراق بعد هكذا حبّ، وربّما .. لا حبّ.
لم أحببتِ، إن كنتِ ستهجرين؟ لمَ أقنعتني أنّني قلبٌ لو عرفَتْ به نساء الدنيا لتشبّثَت به؟.. أنا الذي لم تُغرِهِ صورته في المرآة يوماً، حوّلتِني تمثال غرورٍ يرى نفسه نصفَ العالم، حاملاً قلبكِ بين كفّيه.. لمَ روّضتِ الأسد الذي فيّ، حتّى أصبحتُ أستلطف العابرين، ثمّ جلدتِني فتقوقعتُ في زاويتي منكسراً تُخيفُني أصوات أشباح الهائمين؟ لمَ أقنعتِني أنّ السؤال نصف الطّريق، وأنّ الجواب لديكِ بعد كلّ منتصف ليلٍ، ثمّ بعد أن عصَفَت فيّ أسئلتي، غادرتِ وتركتِني للحيرة تنهشني؟
لمَ أضحكتِني وأبكيتِني؟ لمَ سكنتِ في تفاصيل يومي ثمّ كسرتِ زجاج ساعتي ونثرتِ رمالها؟ لم أطلقْتِ بفراقِك سهماً ليستقرّ على مفصل عقارب السّاعة، فلا هي تدور ولا أنا أنساكِ؟ أنظري إليّ مرّة أخيرة.. ألم تقولي أنّك ككلماتي التي أكتب: حروف معادلة صعبة، لا تصدأ ولا تشيخ؟ لمَ أراك ذابلةً بعيداً عنّي إذاً؟ أتُراها بسمتك مُصفّرّة أم أنّها نفسي تُواسيني؟ أتُراكِ مجبرة على الرّحيل أم أنّها نفسي تُبرّر فعلتك؟ أتراني بالغت في الحبّ، وأترفت بالغَرفِ من الفاكهة المحرّمة إلى حدود السّكر؟
حبيبتي، لا تقولي إنسَ! لن أنساكِ، لكنّني مع كلّ إشراقة شمس سأقنع نفسي أن لا تذكرك. سأسير ورأسي مثبّت للأمام. سأجمع ذكرياتك في زاوية، وأركن بجانبها إشارة الخطر. الحبّ يا عزيزتي لا يعصِفُ إلا بالقلوب القويّة، والنّسيان يأخذ كلّ شيءٍ من الضّعفاء فقط.. أمّا الأقوياء فليس لهم من دواء،.. يتذكّرون، ويتألّمون ضريبةً لقوّتهم، ثمّ يضربون قلوبهم بالأرض علّها تنطفئ.. يظنّونها سيجارة تأكلها نار الشّوق.. لكنّ الواقع أكبر من ذلك. الحبّ يا عزيزتي هو النّار التي تسري في فتيل يؤدّي إلى الانفجار لا محالة... قليلة هي العواقب السّعيدة، حين يضيء الانفجار الدّنيا بالمفرقعات.. أمّا حين ينفجر البارود.. ينتجُ عن ذلك صنفٌ من البشر لم تفهميهم يوماً.. لذا، لا تعودي لتسأليني يوماً: كيف لهم أن يكونوا قساة القلوب!
August 12, 2015