Oct 11, 2014

باختصار




وقفتُ مذهولةً لوهلةٍ، في حين كانت تبتعد عنّي مودّعة. كنت لا أزال مصدومةً كيف أن الكلمات المعسولة تقطر من فمها، فيرتصف أجملها بلغة فصيحة منمّقة لدرجةٍ مبالغٍ فيها. للحظة يُخيّل لمن تحدّثه أنّ له في قلبها مكانةً، أو ربّما عرشاً، لا ينافسه عليه أحد. لكن لقاءها في أكثر من صدفة كفيلٌ بتوضيح الأمر. هذه، باختصار، طريقتها المتكلّفة مع الجميع دون استثناء.
لاحقاً، في الحافلة، كنت أسمع تهامس الفتيات يعتبرنها مجامِلةً من الطّراز الأول. ظننت أنّ فتاة بمَلَكَةِ ما أسميته "موهبة الكلام المنمّق" قد تكون الأنجح في مجال الكتابة، لكنّني فوجئت أنّها لا تُعير الأمر أيّ أهمية، فيما أترنّح بين السّرعة في رصف الكلمات، والبلادة. فهي - كلماتي- أحياناً تحتاج أياماً تنقر فيها على الصخور لتتفجّر بعد معاناةٍ عذبةً من صدر الجبل، وأحياناً أخرى تنساب كمياه سهلةٍ تسير بمحاذاة النّهر. وعلى مدى ثلاث سنوات من لحظة اكتشافي حبّ الكتابة في ذاتي، أطلقت قلمي بشكلٍ متقطّع يتناسب مع شدّة إلحاح نفسي عليّ  لإخراج مكامنها.
أدركت حينها أن للكتابة طقوساً خاصّة، تختلف من شخص لآخر. فكما لتجلس مع شخص بارتياح، يفترض أن يوجد لديك الحد الأدنى من الميل له، ولتتقن عملك وترتقي بأدائك يفترض بوجود الحد ذاته، تحتّم الكتابة وجود الرّغبة،  تعزّزها القدرة ويغذيها الأسلوب. هذا يعني أنّ المهارة وحدها لا تكفي. فالقلم بطّارية تشحنها العواطف، وسيف تشحذه المواقف.. لذا، نرى النصوص الأكثر غنى بالمشاعر، أو وصف المشاعر وإيجاد تصنيفاتٍ لها أكثر تأثيراً..   
 وفي هذا السياق، أستحضر كلمات أختي حين سألتها عن مشروع الرواية التي همّت بكتابتها منذ أشهر: "أنا شاطرة بالكتابة، وبعرف عبّر، بس ما بحبّ أكتب "، قلت لها: "والمعنى؟"، فأجابت: "باختصار.. قرّرت ما ضيّع حياتي بشي ما بحبّو..".
كي تكتب، يجب أن تحبّ أن تكتب!
حنان
August 11, 2014