Sep 22, 2012

رواية: الزمن التالي


الزمن التالي

ل: فاتن المر


ملخص:

تقفز بين ال"هو" وال"هي" في سطور روايتها، لتنقل الأفكار والأحداث من منظورين مختلفين بطبيعة اختلاف آدم وحواء. ومن الصعب أن تدرك في البداية إذا ما كان "الزمن التالي" هو الحاضر الذي تلا الماضي، أم انه المستقبل الذي سيتلوا الحاضر. إلا أنه في كل فصل من فصول الرواية، يتغير تعريف الزمن ليحوي أبعاداَ أخرى أشد إيلاماَ من سابقتها. فالقصة تروي تفاصيل من حياة الكاتبة خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان فيما سمي-حرب تموز.
تصف فاتن،  بدايةَ، الزمن الذي وصلوا إليه، حيث تناسى أصحاب القضية مبادئهم، ودفنوا مع جثامين شهدائهم  انتصارهم لمعتقداتهم وأملاكهم  وقيمهم. فتواروا بذلك خلف الضوضاء ليغضوا نظرهم عن الفساد الذي أضحى شاملا للقيادات والشعب على السواء.
 هو زمن الأعصاب المشدودة حيث ينتفي مبدأ الحوار الهادئ والنقاش المجدي... زمن تختلف فيه الأولويات، خاصة بعد ان تضحي هي بعائلتها لترتبط بشخص لا يوافق رغباتهم..و يكون هو قد ضحى من قبل بزوجته وابنه في محاولة لاغتياله سرقتهم من حياته...
تتكلم على زمن تعود فيه لتلتقي بأصدقاء الصبا، فتلحظ الأثر الذي تركه الزمن عليهم..ويلتقي فيه زوجها برفاق السلاح والمقاومة بعد أن يفك أسرهم..فيرى الوقت قد سلبهم جلَدهم وأورثهم الخوف بديلاً عنه..
تتكلم على زمن ينحر فيه الوطن بنسائه وأطفاله وبنيانه...على ميتم يهدم على رؤوس قاطنيه... على مشافي تضيق بمرضاها... على شعب يعيش على المهدئات كي يستطيع كبت عويله وصراخه...
هو زمن يحل فيه التعب على النفوس والأجساد بعد ان تعصف رياح الحرب  بأحاسيسها المدوية من الخوف الى الامل  الى اليأس الى الحزن الى الفرح بالنصر...بعدها، هدوء قلق وترقب لما سيحصل، دون أي سلطة على ذلك. ..هو زمن  يتوجب على الشعب أن يخوض فيه مصالحة مع الجسد، وأخرى مع النفس، واخرى مع الذاكرة...
زمن فاتن المر هذا ، يجمع بين من يصاب بطلقات الرصاص فينزف دون ان ينبس ببنت شفة...يكابر على جرحه الغائر.. وبين من يتاوه بمجرد ان يشم رائحة الدماء... في زمنها توجب عليها ان تحمل همها، وهم زوجها، وهم الايتام، وهم أصدقائها...وهم الوطن ! لكنها أنهت لوحتها حين غادرت بعد دوي انفجار ما...
سال الدم بكثافة،...سبح رأسها بعيداً عن جسدها..حينها فقط..أحست بالعدل...ووجدت إجابة على سؤالها المعتاد: "لم يسقط بعض الشهداء في الحرب دون غيرهم؟ لم هم، ولست أنا؟؟...فسقطت هي..وأشرفت على زمن تال،مبهم المضمون والقسمات.

رواية : مذكرات دجاجة

مذكرات دجاجة
للدكتور: إسحق موسى الحسيني- 1943


ملخص:
يصف الدّكتور إسحق في روايته هذه حياة دجاجة كان يطعمها بيده ويراقبها يومياً،..ولعلّ حياة دجاجته هذه  التي كانت على قيد الحياة عام 1943 هي أقرب إلى الحياة البشرية المثالية النادرة الوجود في مشارف عام 2013..
فالدجاجة بعد انتقالها من منزلها القديم إلى كنف الدكتور الراوي، لم تزل تمدح مالكيها القدامى وصديقاتها اللواتي فارقتهن، وتبرر لهم إبعادهم لها عن مجتمعها الصغير، وتأسف على ذلك بالرغم من قلة الطعام الذي كان يقدم لها.. فهي قنوعة، محسنة الظن، ووفية، ذات لسان فصيح وعقل واع وحديث عذب وسرعة بديهة.
وحين ألفت المنزل الجديد، واعتادت على وفرة الطعام، وتنظيم وقت الوجبات، والنظافة الدائمة، استشعرت نعمة الحب التي يشارك الديك بها دجاجاته، ونعمة العدل التي ترسي بينهن مبدأ الإيثار والكرم. فكانت العون لزوجها الديك في عجزه، متفكرة في الخلق وتفاوت القدرات بين الصحة والمرض. ولم يفتها التخطيط لمواجهة المخاطر إذا ما غاب عنهن سَنَدُهُنَّ ووليّ أمرهن، فهنّ وإن كنّ إناثاَ، لهنّ الحق في البقاء والشعور بالأمان.
ثم سعت هذه الدجاجة النجيبة إلى تقويم طبائع أترابها من الدجاجات، لتَوحّد شملهن بعد أن تشتّت. فتحملت نعت الدجاجات لها بصفاتهن وأهوائهن من حسد ونفاق وشره وخيانة وغيرة. وصمدت أمام تكاتفهن لصدها عن تطبيق مبادئها. وكان إذ مات الديك ..فبكين عليه بكاء المفجوعات إلى ما شاء الله، ثم تفرقن عن بعضهن لا يجمعهن إلا سور القن، فجمعت الدجاجة العاقلة أترابها، وتكلمت فيهن موضحة انهن ضعيفات إذا تفرقن، قويات شديدات إذا اجتمعن، وأنما سلاحهن الباقي هو الإيمان والتكاتف. فانكفأن يواسين بعضهن بفيقدهن ويذكُرنَ محاسن بعضهن.
وعاد الحنان والرفق إلى القن،..حتى كان يوم نزلت فيه غريبة إلى الديار، ملتجئة خائرة القوى..تشكو كبر الأسرة وقلة مؤونتها وقسوة طبائعها. فوجدت ما تبحث عنه من الأمان والتفاهم والاستقرار. وقررت العاقلة الاطلاع على ما وصفت الغريبة، فغامرت بمغادرة القن، وبعد سير مضنٍ ، رمت ما حملت من الحبّ السمين أمام السياج ورأت من صدق أقوالها ما رأت. ولم تمض أيام، حتى قررت الغريبة العودة إلى مجتمعها الأصلي لتزرع فيه مبادئ العاقلة، وتبلغ رسالتها السمحاء.
وفي صباح يوم دافئ، خرج إلى الوجود خمسة عشر مولوداَ، أصبحوا الشغل الشاغل للعاقلة، فتولّت تربيتهن وتنشئتهن على حب الخير والإيثار والنخوة، وفصلت بينهم في النزاعات  والمشاكسات.وكانت لهم الدليل إلى الكدّ والتعب في سبيل كسب الزاد في أوقات الشح والقلّة، فمثّلت لهم الثورة على سور القن والحدود القديمة التي ستؤدي إلى هلاكهم في ظلّ تغيّر الوضع المعيشي.
واشتاقت العاقلة للغريبة، فقررت الخروج للاطمئنان عليها، ومشت على غير هدى، لتواجه عقبات عديدة في طريقها إليها. ومن ذلك أنها واجهت عملاقاَ بشريا قام بملاحقتها فراوغته بذكائها حتى أضاعها او بلغه من التعب ما أوقفه عن ملاحقتها. وصلت إلى حدود قن صديقتها، فالقت عليها نظرة من بعيد، لتراها تسير وتأكل الحب بين أترابها في جو من المودّة، الأمر الذي كان كفيلاً لإبلاغها أنها نجحت في مهمتها.
وعند عودتها، قصّت على أترابها ما واجهت، فانخرطوا على مدار عدة أيام يروون ما يعرفون عن العمالقة ويتناقشون في أمورهم.. وعجبوا لتقويم البشر أنفسَهم دون قاعدة محددة. فتارة يقدرون أنفسهم بالمال فيقولون فلان يساوي وزنه ذهباً، وتارة بالقوة فيقولون فلان يساوي ثلاثة رجال، وتارة بالجاه وتارة بالرذائل وتارة بالفضائل وتارة بالعقل وتارة بالعلم وتارة بالنسب..! ونسَبت الدجاجات كثرة الموازين لضخامة الجثث البشرية..!
وفي يوم، بعد أن أووا الى المضاجع مبكرين، بعد أن نعموا بالطعام والشراب اليسير، فُتح الباب وجالت يد العملاق المالك تقبض على أتراب العاقلة وتبعدهن عن الأنظار..حتى بقيت العاقلة والدجاجات والديكة حديثي العهد فقط في القن. وقد عرف من بقي مصير من رحل، ودبت فيهم رغبة الانتقام.. فعادت مبادئ العاقلة لتسوّغ ما حصل، وتحكّم العقل لا العاطفة، وترفض الظلم ، وإن كان في مقابلة الطغيان.
وتوطدت العلاقة بين الأم العاقلة وحديثي العهد، وأصبحوا يخرجون إلى الطبيعة سوياَ، يتنزهون ويتأملون تساوي الزهور وقناعتها بمصيرها دون خصام على بقعة أرض أو حسد على لون أو غيرة من شكل. وبعد العودة من إحدى النزهات، إذ بالقن يمتلئ ضجيجاَ مصدره ساكنون جدد، فتقاسموا المأوى، وقضوا ليلتهم في ضيق.. إلى أن جاء الصباح.
وحين استيقظت القاطنات الجدد، شهدن وداع العاقلة لأبنائها، إذ أرسلتهنّ رسلاَ يحملون مبادئها، كلٌّ منهم إلى بقعة من بقاع الأرض.. وعادت إلى القنّ لتقوّم من جديد طبائع أترابها الجدد، وتمحو ما فيهم من جهل واعتقاد بتوجب معاملة الكبار للصغار بتسلّط وقسوة واستغلال.

Apr 27, 2012

فلك البقاء-- لسان حال شخص يدفن حيا من قبل الشبيحة

لو كنت أدري أنك المفتاح، لاتّخذتك رفيقة دربي...
لم يعد في وسعي الآن أن أشكرك، فقد كمّموا فمي وأحكموا الوثاق..
أراك، من خلف العصبة التي تكاد تخنق رأسي، محدّقة إليّ بعين لامعة دامعة...
أراكِ ولا أراكِ...
عاجز أنا عن المسير نحوك، فقدماي تحت التّرب قد غُرست..تماماَ كجذور الزيتونة الشّماء...
عاجز أنا عن احتضانك، فيداي خلف ظهري جاثمتان، فوقهما أكوام من الغبار والحصى...
تسمعين صوتي كما اعتدتي: أكبّر وأشهد...لكن هذه المرّة قد تكون الأخيرة..فاحفظي نبرة صوتي،واسرقي كلماتي من آذانهم..ونقّها من شذى السّعال..وسلّميها أمانة لمن سيصونك من بعدي...
عزيزتي...
لا تأبهي بغياب رأسي تحت الثرى الطاهر..
لا تأبهي بخفوت صيحاتي أمام عدو قاهر..
فاليوم أُزرع بذرة في رحم أمّي... وغداَ أُسقى من عذب الدماء...من ثَمَّ أنبت صيحةً هدّارة تشقّ عنان السّماء..
سجّلي للتّاريخ يا عدستي...
إن انا أغمضت عيني...فلك البقاء...

Mar 20, 2012

"وعاشوا بسعادة وهناء!!"


"وعاشوا بسعادة وهناء!!"

منذ زمن غير بعيد، قررت أن أدوّن خواطري..وإذ بها تتحوّل قصة متسارعة الأحداث، لتنفجر في النهاية. أعجبت البعض...وتلقّت النقد من آخرين، كحال غيرها من القصص.

كانت محاولة أولى، فصلها عن الثانية نصوص متشتتة المحاور، موحّدة اللغو والأسلوب. ولكن الثانية في خاتمتها كانت أقرب إلى الأولى..فانفجرت!

وإذ بها في باطني نقمة على النهايات السعيدة! كم الِفت الأفلام الكرتونية التي تنتهي ب"تزوج الأمير الأميرة وعاشوا بسلام إلى آخر الزمان.."..وكم قرأت قصصا آل مآلها إلى " وعاشوا بسعادة وهناء!"..

ولكن أحداثها لم تسكن ذاكرتي، .. بل لم أحفظ سوى الوقائع الحزينة التي جعلتني أذرف الدموح أحياناً متمنية النهاية المعتادة..

غريبون هم! يصورون الحياة أبديةً، ويزرعون في الأطفال صورة مشوهة عن الواقع، فيظنون الحياة مطَبّاً واحداً، اجتيازه كفيل بالوصول إلى الخاتمة السعيدة. ويتناسون أن الحياة استمراريةُ العراقيل، ولذةَ تجاوزها في كل مرة هي خاتمة لمرحلة وبدايةٌ لأخرى..
فيا قلمي،..لا ذنب لك! لكنّني لن أحوّل مسارك قسراً..فأنت أدرى بما في داخلي،منّي. أستطيع ان أرى سعادتك بانفجار الختام، فلتكن سعادتك هي العنوان

Mar 4, 2012

حين جفّ القلم

حين جفّ القلم
على غير عادته، لم يتمكّن قلم الرصاص من الإستقامة.. فآلة الحرب لم تزل تزهق الأرواح منذ أشهر..وهو لم يزل يدوّن أسماء الشهداء وأعدادهم..وكأنّه يتسابق وإيّاها..هو يكتب، وهي تزيد.. فيمحو ويصحّح ما كتب كي يتحلّى بال"مصداقية" التي يندر تواجدها، إلا في بصماته...
هنا دبّت النخوة في صديقه، فانتصب قلم الحبر متعامداً ودفتري.. مرّرته على المسودة مراراً حتى كدت أن أيأس من إمكانية رؤية أثره..منذ زمن لم ألجأ إليه، فعناده وتكبّره على المحو والتصحيح ينفرانني منه.. إلّا أنّه استجمع قواه في اللحظات الأخيرة ، ربما غيرةً من قلم الرّصاص، ولفظ أنفاسه بصعوبة نازفاً على أوراقي...
نزيفٌ طال انتظاري له  في جمود الشتاء..جمود في شجاعة الأعزاء ،..وفي نصرة الأشقّاء،..وفي نخوة الشّرفاء... لم يحرّكه فيضان نهر العاصي بعد أن اغتسل بالحمرة، ولم تهزّه نسائم الهواء التي بدل أن تكون عليلة أضحت مُعِلّة..
لا أدري بالضبط لمَ انتظرته .. ربما لأموّه المشاهد الحمراء التي تحتل ذاكرتي، ببريقه..أو لأغطي به بصمات العارالتي تركها المتخاذلون تواقيعاً، بعدما رفض القلم مشاركتهم في الخيانة.. أو لِتَهَبَ لأوراقي لوناً آخر، غير لون السماء والأرصفة والمستشفيات.. فقد توحّدت جميعها واصتبغت بالرمادي الممزوج بالأحمر.. لا أدري أهي "الموضة" أم لا.. لكنّها بكلّ حال لم تَرُق لي...
لم يصدّق قلم الحبر وصوله إلى أول الصفحة، فبدأ بهمّة يقفز من سطر إلى سطر ويؤرّخ الصور والمشاهد والقصص...
قصف عفيف لم يطل سوى الأطفال والنساء.. فهم مصدر التمرّد والعصيان!
قنص محصور بمن يتواجد في منزله، أو في الشارع، أو في المدرسة، أو في أي مكان!
اعتقال للشبيحة المتمثّلّين بالطلاب الجامعيين، وطلاب المدارس، والعلماء، والطواقم الطبية وكل من يشغل او لا يشغل أي وظيفة أو منصب أو صفة معيّنة!
حرمان من الكماليات كي لا يستطيع المتمردون التحرك بسهولة، مثل المياه والكهرباء والغاز والمازوت والبنزين والكاز والشموع والمسكنات والمطهرات والخبز وال... فقط!
..
 هنا رفض القلم أن يكمل، فقد أحس بمرارة ما تجرعه قلم الرصاص..
أعلن استقالته وعاد إلى مكانه ببطء ليبتلع ريقه بعد أن جف...  



Feb 20, 2012

عصارة الأيام



أغمض عينيه، علّه يهرب بأنظاره من الواقع، ذلك الوحش المفترس الذي كاد أن يقضم بأسنانه ما تبقّى من الجَلَدِ الذي يحويه جسده الهزيل. ذهب بهما بعيداً حيث توجد تلك الأطياف النّورانيّة التي تُدعى الحرية والسلام، لكنّه سرعان ما شعر ببراثن قويةٍ تنتزعه مجدّداً لتعيده إلى الأمس، حين أفاق على زقزقة العصافير، وخرير الماء في البركة أمام المنزل، ثم توجه إلى المطبخ ليتناول إفطاره مع إخوته...

لا، لا، ... لم يكن ذلك أمسه، فقد أخطأ مجدّداً بين ما حَلُمَ به وبين الحقيقة: هدير الطائرات الإسرائيلية التي تحلّق في الأجواء كالعادة، وتقصف أحد الأهداف المدنية، فتسيل الدماء، تماماّ كما لو أنّها مياه البركة... وفطوره، لم يكن مع إخوته، ولا مع أمّه، ولا مع جدّته...بل كان مع أقرانه في الميتم، حيث جمعتهم مأساة فقدان الأم الحنونة والأب المربّي ،حيث لِكُلٍّ قصّته، ولِكُلٍّ أَلَمُه...

كان "سامر" و"علي" و"محمّد" و"حسن" إخوته وآبائه وأصدقائه، وكانت "عائشة" و"مريم" و"آمنة" أخواته وأمهاته وصديقاته... كانوا جميعاً يداً واحدة: الخائف منهم يَحُثُّهم على الشجاعة، والصغير منهم يَحُثُّهم على الصبر،... كانوا جميعاً حيث لا يجب أن يكونوا، في أحضان الهلع والموت والدّماء قبل أن يتجاوز أكثرهم العقد الأول من عمره...

ولم يكد يشعر"جهاد" بقربهم منه، حتى ضاعت الصورة، وتداخلت الألوان، فخسرهم مرّة أخرى، بعد أن شتّت إحدى القنابل أشلائهم، وجَمَعت أرواحهم في الفردوس الأعلى...مدّ يده إليهم، وناداهم بأعلى صوته أنِ انتظروني، ولكن كان لروحه موعداً آخر مع الحياة...

فتح عينيه هنيهة، تماماً كما لو أنه يفتحهما لأول مرةٍ، لكنّ شريطاً من الأحداث والوقائع المريرة التي رفض أن يبقى أسيرها عكّر صفو تلك اللّحظة، هذا الشريط هو الشيء الوحيد الذي ميّزه عن لحظة ولادته. فالقدَر الذي صعب عليه نزع إصراره وثباته على الحق، أثقل جفنيه بالذكريات مرةً أخرى، آخذاً إيّاه إلى الماضي البعيد البعيد،...

أخذه إلى الدقائق الأولى التي أمضاها في الحرية... كان مفهومها لدى جهاد مختلفاً، فالحرية لم تكن لِتعنيَ المُكوث خارج القضبان بالنسبة لوليدٍ في الأسر، بل عَنَت مجرّد التواجدِ قُربَ الأُمِّ، والشعور بأنفاسها، ودقّات قلبها الحاني... ما إن حفِظ قسمات وجهها، ونبرة صوتها، وإشراقتها في الزنزانة المُعتِمَةٍ، حتى بُشِّرا بالحرّية، فخَطَت أمّه  تُعِرِّفه على الشمس والنّسيم، عابرةً به إلى العالم، راميةً نفسها ووليدها في أحضان الوالد الذي كُتِبَ له لُقيا ابنه الأوّل على بوابة السجن الإسرائيلي الغاشم.

 كانت أولُ صدمةٍ له، التعرّف إلى مفهوم "المنزل"، فقد أمضى جهاد ليلته الأولى بصحبة والديه تحت الجدار الأخيرالصامد من البناء الذي كان سيكون منزله، بعد أن اعتاد على العيش بين جدرانٍ أربع، وتحت سقفٍ يظلّله من السماء!


السنوات الكثيرة التي شاركه والداه فيها القلق من صاروخٍ قد يخطف أحدهم من الحياة، والتي تلتها دائماً ابتسامة فرحٍ، وحمدٌ لله على النجاة، الأسابيع التي قضوها في العراء وكلّلوها بالدعاء، الأيام التي صامها والداه كي يطعموا ثغره الصغير، والساعات التي أمضاها وأمِّهِ في انتظار عودة والده من المساعدة في انتشال الضحايا من تحت الركام... كلُّها... لم يكن لِيَتَصَوَّرَ أن تَمُرَّ بهذه السرعة... ولم يكن لِيَتَوَقَّع أن تكون تارةً سبباً في بكائه وطوراً في صموده!

كم كان فرِحاً حين جمعه التّهجير من بلدته بجَدَّيه وعَمِّه! كان لقاءً حارّاً مليئاً بالدموع أدرك فيه جهاد معنى العائلة الواسعة، والصعوبات التي تحمّلها والداه بعيداً عن أحِبَّائهم.

رأى الأطفال أمثاله محرومين من أبسط مقومات الحياة، فتعلّم الشفقة والإيثار...تماماً كما تعلّم منهم الأمل مع كل ابتسامةٍ شقّت طريقها من بين الشفاه الجافّة...

تنهّد بعمق، ثمّ قلب صفحات كثيرة من ماضيه، تتساوى كلّها في المضمون: أشلاء، ودمار، ودخان،...أرامل، وثكالى، ويتامى،...خوف، ورعب، وعويل،... لكن لا..صفحة صفراء...صفحة مختلفة...استوقفته.

كيف لا؟ ففي طياتها تعلّم الآهات والتنهدات وله من السنين سبعة. لا زال يذكر جيّداً كيف طلبت منه أمّه إمضاء بعض الوقت خارجاّ مع أصدقائه ريثما ينضج الغداء. لكن في ذلك اليوم، وحتى في اليوم الذي تلاه، لم يكن ليقدر على تناول الطعام...بل ولم يكن ليقدر على رؤية الطعام...لأن الطعام آنذاك، وفي اللحظات التي فصلته عن العودة إلى المنزل، نضج تماماً كما نضجت أجساد والديه...نعم،! فقد كانا على موعد مع الشهادة، تحقّقت أمنيتهما، وارتقت أرواحهما سويّة ألى الرفيق الأعلى،...وتركته وحيداً، أسير الدّنيا، مكبّل اليدين.

ومن ثمّ توالت الصفحات الصفراء، بل وأصبحت في اصفرارها تميل الى الاحمرار،...

في سنوات قليلة، فقد أعز ما يملك: والديه، جدته، عمّه،...

ضمه الميتم، ليُفقده القدر أصدقائه هناك،

الكثيرون الكثيرون من من عرف، سبقوه إلى ما تمنى،...

كان يستشعر وجود الله معه في لحظاته العصيبة، فيلجأ إلى ترتيل ما حفظ من آيات، لتدخل إلى الصّميم وتسكّن الآلام، وتبلسم الجراح...

تنفس بعمق....

لااا، لن تقف مرارة ذكرياته مرة أخرى عقبة في سبيله إلى الحرية...استجمع قواه التي لطالما استوحاها من اسمه، الذكرى الوحيدة التي تركها والداه، ومشى...

فعصارة أيامه اليوم، ستكون الدواء الذي يكوي جرحه، فيشفيه.

 


Feb 13, 2012

غداً سوف يكتب التاريخ عنهم ...فاليفرحوا...


ليسوا ضحايا للقذائف...

ولا شهداء الألم...

ولا يتامى،

ولا ثكالى،

ولا أرامل...

لم يفقدوا العزيز والقريب والحبيب ...

لم يكوهم برد الشتاء في ظل الجدار...

لم يحلموا بالموت للنجاة من حصار...



فلو كذا...

لخجل القلم...

فليس من مقام المجد حبر وورق...

أو كتاب يرسم التاريخ حتى يهترئ!



بل سيكتب عن رؤسائنا المبجلين...

وقادتنا العظماء...

وعن سادتنا الموقرين...

الذين يسمعون أصوات القذائف، والأنين...

فيحسبونه صوت النسيم...

أو صفير الريح، أو بعض الرنين...





أولاءِ قد أضحوا حجارة...

لا يبدد شملها عويل...

ولا نداء غوث من طفل عليل...

باعوا تَرِكَة العُربِ بالذهب الأصيل...

باعوا الشجاعة والمروءة...

ثم تأسفوا...

واستنكروا...

وندّدوا...

وخرجوا بخلاصة مفادها...

وجوب غض البصر...

فالحقيقة: فيلم لأصحاب القلوب القوية!!





لم يدركوا أن لا قلوب لهم...

لم يدركوا أن لا ضمير لهم...

فاليفرحوا...

فاليفرحوا...فغدا فوق السطور سيجثمون...

وعلى صدور من سيحفظ السطور،...سيطبقون...

سوف يكتب أنهم فقدوا الحياء...

في حفل حاشد كبير...

يعلن افتتاح نافورة الدماء!

وهل يلام فاقد القلب؟...

 والضمير؟





بالله هل يلام من لسان حاله يقرّ:...

لست إنساناَ، ولا يهمّني حال البشر!




Jan 30, 2012

إن لم نحترمها نحن... على من نعتب؟

 
دخل محاضراً، والجميع جلوس...
و بينما يتجاذب والتلاميذ  أطراف الحديث، إذ به يلتفت إلى خلف فجأة ويصمت...
ينظر إلى سلة المهملات...
يمد يده إليها...
وينتشل من بين القمامة ورقة...
ثم يرمي بنظره على التلاميذ معاتباً...
"أين أنتم من لغة القرآن؟ ترمى في القمامة وأنتم تنظرون..."
"أرى أحدكم  إذ يضطر أن يجلس على الأرض، يضع كتاب الجغرافيا أو اللغة العربية تحته ويجلس...
أو يرمي بالجريدة على الأرض ليصلي عليها كي لا يلوث ثيابه...
أو يلف بها السندويش!
أين احترامنا للغتنا؟ راجعوا أنفسكم"
من نفسي أبدأ...
إن لم نحترمها نحن... على من نعتب؟


حنان فرحات
30-1-2012

Oct 23, 2011

صمتي حكاية


صمتي حكاية
هي لغة لا يدركها إلا القليلون...
يفهمها العارفون بلغة العيون...
نظرة سريعة إلى ذلك البريق الذي يسكن سواد البؤبؤ...
تجتاز الحاضر إلى عالم آخر، يسكن خلف القضبان العظمية...
جولة صغيرة هناك،كفيلة باستخراج ما في بئري من أسرار...وإزاحة ستار الغبار الرابض فوق حكايتي...

عزيزي،دفتر مذكراتي...
من الآن فصاعداً لن يخنق الغبار غلافك، فلكلماتي موعد مع سطورك...
سأدون فيك مكنونات فكري،وأشكو إليك همي، وأشاركك فرحي وحزني وشوقي، وأودع فيك أسراري،...فمن حسن حظي انك تتقن اللغة الوحيدة التي اتقن...
لستَ بحاجة إلى صوتي الحنون الذي سلبتنيه الأيام...تكفيك بعض الرموز التي أخطّها بقلمي، فتفهمني...
أراك محتاراً،...تسألني: "لم ألجأ إليك؟؟"؟...
هاك إجابتي...
لأنك لن ترفض سماع حديثي إن ضجرت مني أو مللت...
لن تسألني عما لا أفصح به إلا لذاتي...
لن تطلب مني الإجابة، وأنا فاقدة للوسيلة...
والأهم من ذلك...أنك لن تكويني بنظرات الشفقة التي يرمقني بها الناس...
سأجلس وإياك كل مساء، أحدثك عن يومي...وقد أقص عليك حكايتي إن لم أغفو فوق صفحاتك...
أما الآن، فاعذرني...لا أريد أن تلحظ جدتي انني ما زلت مستيقظة...
لي عودة، فانتظرني...

رنيم
ها قدعدت...
مضى يوم على لقائنا أيها الدفتر العزيز...أولاً، سأعرّفك بنفسي...أنا رنيم ذات السبعة عشر ربيعاً، طالبة في الثانوي الثالث... أعيش مع جدي وجدتي منذ عدة أشهر...يحبانني كثيراً...وأنا أحبهم...لكنني أتمنى لو أنني لم أجبر على السكن في منزلهم، أو تناول الطعام معهم...
تحاول جدتي جاهدة أن تملأ الفراغ، إلا أن الزمن قد أفقدها مهارة لعب الأدوار...
هي تدري أنني أحنّ إلى الأمس القريب... حين كانت أشعة الشمس تنساب على وجنتي من خلف الستارة، يصحبها صوت أمي وهي تناديني لأستيقظ...حين كانت تجبرني على تناول بعض اللقيمات قبل أن أذهب إلى المدرسة...وتنتظرني على الباب حين أعود، فتسألني عن يومي كيف كان، لتشاركني لحظاتي الحلوة والمرّة ...
أحنّ إليها تقبّلني قبل النوم كما لوأنني طفلة صغيرة... إلى حين كنت أرتمي في حضنها وعيوني غارقة بالدموع، فتمسحها برفق وتربّت على كتفي حتى أهدأ،...
أتُراها اشتاقت إلي كما اشتقت إليها؟...
هي المرة الأولى التي تذهب فيها دون أن تودّعني...والمرّة الأولى التي أوقن فيها تأخرموعد اللقاء...
ذهابها جعلني أسيرة حياة، أسوارها الأشواق ونظرات الشفقة وصدى الصمت...
كنت أشكو بُعد أبي في سفره، أما الآن فأحمد الله على بقائه في حياتي، قريباٌ كان أم بعيداٌ...رغم أنه لم يعد بوسعي أن أناديه " أبي"... إلا أنني ما زلت أمتلك بعض خيوط الأمل بلقائه...تماما كأملي بلقائك غداً...تصبح على خير...

رنيم
عمت مساء،دفتري العزيز،..

كان يومي أفضل من غيره، فقد نجح أصدقائي برسم الابتسامة على وجهي..لا أدري كيف، ولا لم.. يكفي أنني ابتسمت بعد أن يئست من ذلك..
أخبرك سراً؟..
قدمت إلي سارة في الصباح، وجذبتني من يدي إلى إحدى زوايا الملعب بعجلة..ثم فتحت محفظتها وأخرجت كيساَ زهرياً برّاقاً ووضعته في يدي..أشرت بيدي الأخرى إلى صدري أسألها إن كان لي..فأومأت برأسها!
منذ زمن لم يهدني أحد شيئاً..! قالت لي بمرح:" ألن تفتحيه؟،..أم  أن لون الكيس لم يعجبك؟"..
لم تنتظر إجابتي لأنني فتحته بسرعة لتقع عيناي على دفتر زهري صغير وقلم من نفس اللون والحجم.. نظرت إليها فابتسمت..ثم أردفت قائلة:" أبقي هذا في جيبك، وكلما أردت أن تكلمي احدا أو تجيبي أحدا، اكتبي عليه"..قاطعها صوت الجرس فذهبنا للاصطفاف..
لم أفرح بهديتها  قدر ما فرحت باهتمامها بي..تخيل! هناك أحد في هذا الكون يود التواصل معي..ويريد معرفة ما كنت سأقول لواستطعت الكلام.. لكن لا تخف..هذا لا يعني أنني سأستغني عنك، فأنت فهمتني قبل ان تفعل هي..
أراك غداً بإذن الله

رنيم